سليلة عشتاروت الكاتب موسى غافل

قصة قصيرة

         سليلة عشتاروت

عصفت رياحها المجنونة في قلبي . 
فقطعت الدروب الموحشة من أجلها ، و بعد طول عناء ، دلّني أحد الجيران عليها مستلقية بكل بهائها في دروب الضيعة التي تتنفس بيروت من عطرها. بذلك الوجه الحكيم ، و الجسد الذي طغت أنوثته . 
 وفي الضيعة تعانقت أشجار الكروم و الزيتون و التفاح وكأنها أمها الرؤوم. 
  استظليت معها تحت فيئ شجرة ظليلة ، فلاحت لي ماضية في غفوة كالملاك، أو ربما تظاهرت بذلك . فأنعمت نظري بملامحها وهي تفيض إغراءً. وانحنيت فوق وجهها واختطفت قبلتين من عينيها ، و نأيت جانباً أنظر بانبهار شديد ، متظاهراً وكأني لم أفعل شيئاً . لكنها سرعان ما استيقظت ، منعمة نظرها بملامحي السومرية و كأنها على علم  بفعلتي ، ثم قالت:
ـ إذهب بعيداً أنت وخطيئتك . ملعون يعذبك هيامي بسعيره . 
وعادت لدارها و أوصدت الباب .
رجوتها مستعطفاً :
 ـ (ريما) أنا قادم من بلاد سومر إلى حيث مرابع الأرز. أسير هواك، كما وقع جدي ( ديموزي ) أسير هوى جدتك ( عشتاروت ) .
 لكن الجفاء ما زال شيطانه يهيمن على قلبها ، كحال جدتها. فتيقنت إنها لن تغفر فعلتي .
ـ يا (ريما).. حتى لو اغلقت كل المنافذ، لكني سأتذكرقبلتيك كألذُّ من الشهد . و ارق من الحرير . من الذي لا تأسره عيناك ؟
قالت بغطرسة من وراء ظلفة بابها :
_  أنا لم أكن سوى حلماً يجول شيطانه برأسك. ليتك استفدت منه و استفقت .
قلت :
ـ أنا لا أؤذيك .إنما جئت لآُجدد ذكرى جدي  ديموزي.قتيل هوى جدتك ، و أريد أن أتعبد مثله أمام إلوهيتك و أستشهد بمكر عينيك. 
 انفرجت عتبة الباب قليلاً و أسفر عن وجهها الإلوهي لتقول : 
ـ ألأحلام بعض من نثارواقعنا . كل عابدينا يحلمون مثلك ويطلبون منا أن نبارك لهم انتهاكاتهم . ولكنهم لا يجنون سوى الصدود .
قلت لها راجياً :
ـ أرجوك ، لا تكوني قاسية و مغرورة، دعيني أنغمر بهذا الفرح الذي يلفني بطيف عطرك. لماذا تريديني أستفيق من حلمي ؟ ألِأنني أركع مغموراً بصلاتي أمام محرابك ؟ 
تظاهرت بالصمت . هي تعشق الصمت ، و تتفنن باستخدام سهام الصمت، لكي تجدد مكر جدتها مع جدي .
خاطبتها : 
ـ يا (ريما) .. لست أنت فقط مَن لا تجيب . كل الإلهات يفعلن ذلك مع عبادهن . فأنتن تمارسن قسوتكن ، لكي يتقلى العابدون بسعيركن . 
أجابت بعد مخاض عسير ، لكي تمعن بسعير نارها بقلبي :
ـ يا بن سومر ، أيها الغريب ، يجب أن ترحل لأني أريد أن أنام .
فأوصدت بابها وتظاهرت بالنوم ، وطرقتُ الباب فأجابت بجفاء :
ـ ماذا تريد ثانية ؟
ـ أريد أن أقبلك وأرحل .
قالت :
ـ  أنت تكذب . سوف لن ترحل . و القُبل ممنوعة منعاً باتّاً . و لأنك سومري ـ و السومريون مهووسون بالأحلام ـ  ربما أستمع لأشواقك من باب كرم الضياغة فقط . و ربما تفتنني سمرتك السومرية لكي أتندر بها أمام الآلهة. و لكن اللمس ، وحتى حلمك يذلك ، إيّاك إياك .
ـ و لكني أقف أمام محرابك ، أسير عينيك .
فتحت الباب متأففة وأسفرت عن فتنة صدرها عمداً و قالت :
ـ هل يفكر السومري ، أن يبقى أسير رياح (ريما) ، لكي يثمله عبيرها وعطرضيعتها ؟
قلت :
ـ أكيد أيتها المعبودة المبجلة .
قالت و هي تثقب فؤادي بسهم استلته من بين رموشها :
ـ ليتك ترحل حذراً من سهامي التي ستغل قدميك طيلة عمرك ، فرياحي العاتية أقوى من جَلًدِك .
قلت :
 ـ مهما عصفت رياح عطرك ، فهي تغريني أن أموت بين طواياها .
قالت :
 ـ نم على دكة أبوابي مهملاً ...
استلقيت هناك . حالماً بألحلم الأزلي لمن يعبدون . 
كان قلبي  هو الوحيد الذي ينصت لأحلام الليل . فالليل وحده  يرسل نداء الحب إلى القلوب بوضوح . و عند الصباح بات علي أن أهمَّ بالرحيل لأن كل الأماني توضحت مجرد أوهام .
 بقيتُ ساهداً ليلي كله . أحلم بقطرات ندى منعشة . تتساقط من جدائلها على و جهي . منحنية عابثة بشعري ،بأناملها الرقيقة . . تمسح الخيبة و الغمة عن عيوني. بينما أنا أغرق بذلك الصفاء العميق ، و أحلم إني ألمس الخدين وواديهما و الشفتين. و أقبل سفوح تلك الابتسامة ، و أنا أستفسر منها :
ـ يا ابنة عشتاروت لماذا أنت متغطرسة و باردة الدم ؟
 تخيّلت إنها ابتسمت بغنج و صدت جانباً بعينيها، بينما قلبي يتفطّر ويتوه بمحض أحلام :
ـ افترضي يا معبودتي إنه مجرد حلم ليل عابر، من أحلامي الطويلة الضالَّة . إذن لماذا تقلقي على نفسك ؟
*   *   *
  بقي حلمي يتيماً ، فلا قبلة على عنق يفوح عبيره الإلهي. و لا صحوة ضمير يجعلني أتوسد صدرها الوثير. و لا روحاً تعبِّر عن الرعاية .        
 تمادت (ريما) في تظاهرها بالكبرياء، و الإصرار على التمويه ، و تمادت ببخلها على عاشقها و لو بكلمتين من تحية المساء.
كنت مضطراً أن أمعن يلوم نفسي، وعلى مضض :
ـ لا تنفعلي مني ، فانا قضيت عمري أعوم بخيال مثل الطوفان العارم ، الذي يفيض عبر حاجز عظيم . فانحدرت مياهه العارمة . و لكن لا يقلقك ذلك  ، فهي مياه دافئة أمينة حتى لو حكم القدر أن تعومين بعنفها فإنك ستشعرين بسعادة غامرة .
 أكيد انك تخشين سيلها العارم ـأنا أفهم ذلك ـ لكنها ، حتى لو اندلعت ، فإن باستطاعتك ألا تغرقي  .
عندها فتحت الباب على مصراعيه ، و فتحت ذراعيها و قادتني إلى الداخل ، وأوصت الباب خلفنا .
موسى غافل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمات راقية للشاعرة أمينة المتوكيالمغرب

كلمات راقية للشاعرة بسمات محمد

كلمات راقيه للشاعرة بسمات محمد