الأم أفروسيني للكاتب داود عبده

الأم أفروسيني 
(قصة حقيقية) 
حدثت في بدايات القرن الخامس ميلادي. في أيام الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير 410م. حينها كان الرومان يحكمون مصر والإسكندرية عاصمتهم آنذاك.
بفنوتيوس كان واحداً من المعروفين الأثرياء الأشراف، ذو نفوذ في الدولة الرومانية، ثرياً. مؤمناً، يحب زوجته جماً، كانا يعيشان حياة سعيدة، لكنها حزينة. يطلبان ذرية تسعد حياتهما... يصليان كل ليلة، ويترجيان السماء أن تهبهما ولدا يملأ دارهما فرحاً، بدلا من الدموع والأحزان التي تسكن قصرهما البارد... 
سمعا عن راهب تجري العجائب على يديه... 
ذهبا إليه، وقالا: نرجوك يا أبونا أن تصلي لنا، حتى يرزقنا الله خلفة تبهجنا، وتنهي عذاباتنا...
سنعطيك قدر ما تريد مالاً، إذا ابهجت حياتنا...
نظر الراهب اليهما نظرت عتاب وقال سامحكما الله، الذرية لا تباع ولا تشترى، إنها كرم وعطية الحياة المجانية. 

سألهما الرهب: هل فعلاً أنتما تؤمنان بان صلاة المؤمن تأتي بنتيجة؟ 
أجابا: نعم طبعا نحن نؤمن.
 قال الراهب: الإيمان يصنع العجائب، فلابد أن تنالا مرادكما، الصلاة الحارة الصادقة تصنع المستحيلات... ولا بد الله سيستجيب لكما حين هو يشاء، فهو يمهل ولا يهمل...
بالفعل بعد أشهر تلت، أحست الزوجة بأنها حامل 
طار صوابها فرحاً وابتهاجاً، وفرح الأقارب والجميع... لقد حصلت الأعجوبة... 
 تحولت دموع وأحزان العائلة، إلى ضحكات فرح، وأهازيج، وزغاريد، وموائد طعام ممدودة... 
فتحوا ستائر القصر المنسدلة، فدخلت الشمس، ودخل القمر، وامتلأت غرفة الضيف أو الضيفة الوافدة على الطريق بالزينات والعاب الأطفال، وملأوا القصر بالورد، وتركوا أبواب القصر مفتوحة على مصاريعها لاستقبال المهنئين بالحدث السعيد... 
 وأخيرا وصل الوافد الطفلة، وأسموها مهجة لأنها أبهجت البيت بحضورها، وهي مهجة القلوب...
كم تشكرت أهل مهجة السماء، وكم كثرت عطاءاتهم وهباتهم، لفعل الخير، وصارت أفراح القصر عامرة... وعاشت مهجة في قلب الحب ... كبرت البنت ودخلت المدرسة، وكانت في غاية الذكاء والجمال...ولكن للأسف لم تدم أفراح تلك العائلة طويلاً، حتى عادت الاحزان من جديد للبيت، لقد وافت المنية الأم، وبقيت مهجة مع أبيها وحيدين، يعيشان أحزانا سوداء، سببها فراق الغالية الراحلة...
الأب كان يرسم ابتسامات باهتة أمام ابنته، حتى لا يزيد من آلامها... يصلي دائما ويقول كما تريد يا الله، هذه مشيئتك، فليتمجد اسمك... أنت اعطيت، وأنت اخذت...
ترعرعت مهجة في بيت أبيها، الذي كرس حياته وثروته الكبيرة إلى ابنته التي ليس له في الدنيا سواها...
عندما بلغت ابنته الثامنة عشر من العمر، كانت عنوانا للجمال الروحي والجسدي، وصفوها بأنها من أجمل بنات الإسكندرية آنذاك... 
جاءها عريس من الأشراف يطلب يدها، فارس تتمناه جميع بنات الإسكندرية، ثري، من العائلة الرومانية الحاكمة...
 العريس لم يعجب مهجة ولم تستلطفه، لكن تحت ترغيب أبوها الشديد، قبلت أن تكون خطيبة ذلك الشاب، مرضاة لوالدها... 
 أخذ عذابها يتفاقم يوما بعد يوم، لأنها سترتبط برجل لن تحبه مهما فعل ومهما قدم لها من الجواهر... 
وصل يوم إكليلها، ومهجة وصلت إلى قمة اليأس والتعاسة وفكرت بالانتحار... 
سمعت بوجود دير للرهبان يستقبل الرجال فقط الذين يحبون أن يتبتلوا، ويهبوا حياتهم لخدمة يسوع المسيح...  
قصت شعر رأسها، ولبست ثياب الرجال، وهربت من المنزل، متظاهرة بأنها من الجنس الخشن، وأسمت ذاتها أفروسيني...
طلب أفروسيني الترهب في ذاك الدير، رفضه رئيس الدير، لم يعجبه منظر ذاك الشاب الناعم، ولا صوته الأنثوي...
لكن تحت الرجاء، والبكاء، قبل رئيس الدير الشاب الغريب لمدة تجريبية محددة الزمن...
أبو مهجة وعريسها جن جنونهما، أين مهجة؟ 
دارت الشرطة، والرجال والنساء يبحثون عن مهجة الصبية المفقودة، لكن دون جدوى... 
لم يخطر... ببال أحد بأن مهجة الشابة، صارت شابا اسمه أفروسيني
ذاك الايمان المتجذر فيها، أظهره الشاب نشاطا ملحوظا في خدمة الكنيسة، وفي تعبده لله وصومه وصلاته، لذلك أحبوه وقبلوه راهبا دائما... 
كان من عادة الدير أن يفتح أبوابه في الأعياد للذين يريدون الاعتراف والإرشاد الروحي...
 جاء أبو مهجة إلى الدير طالباً مرشدا روحيا لحياته. شاءت الأقدار أن يختار رئيس الدير الراهب افروسيني ليكون مرشدا إلى بفنوتيوس أبو مهجة المفقودة... 
أحب الاب الحزين ذاك الراهب افروسيني، في الحقيقة هو (أحب ابنته الضائعة) التي كانت تقدم له كل محبة تنعش قلبه الحزين... 
بقيت مهجة ثمانية عشر سنة متخفية بصفة راهب، وكان والدها يزورها ظنا منه بأنه يزور الراهب افروسيني... 
مرضت مهجة وأحست بأن أجلها قد اقترب...وكان لا بد من أن تكشف حقيقتها إلى الجميع خصوصا، إلى والدها...ربما أرادت أن تسعده... 
باحت افروسيني بالسر...وسط الاندهاش والاستغراب من الجميع الأب والرهبان والراهبات وسكان الإسكندرية...ودارت قصة الراهب الغريبة...
 رحلت مهجة وهي بين ذراعي والدها...في عيد الحب...
وأسمتها الكنيسة أمنا البارة أفروسيني...

كتبها: عبده داود

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمات راقية للشاعرة أمينة المتوكيالمغرب

كلمات راقية للشاعرة بسمات محمد

كلمات راقيه للشاعرة بسمات محمد