مقال بقلم الشاعر معز ماني
ثلاثية الكاريزما: حين تصير الإثارة ذهبا، والتشويق مذهبا، والمتعة ذهابا .
بقلم : معز ماني .
ليست الكاريزما وصفا سطحيّا، ولا هي مزاجا يليق بعلب العطور أو أعمدة المجلات. إنّها جوهر متخفّ، حضور يتجاوز الصوت والملبس والنظرة، ليبلغ أعماقا لا تدرك إلا بالحدس.
وحين نبدأ تفكيك هذا الوميض الذي يلهب القلوب قبل العيون، نصل إلى ثلاثة أضلاع مثلث خفيّ، الإثارة، التشويق، والمتعة. ولكن، هل يكفي أن نملك هذه العناصر؟ أم أن امتلاكها يستلزم أن نخفيها؟ أن نتقنها كما يتقن العاشق الرقص في الظلال ؟ .
يبدو أن كل ضلع من هذه الأضلاع يستند في عمقه إلى "حديقة سرّية" ، تلك المساحة التي لا يراها أحد، لأنها ببساطة لا تعطى، بل تحتجب. إنّها ذهبك، ذهابك، ومذهبك. فكيف تتجلّى هذه الأضلاع الثلاثة، وكيف تنبني على هذه الأسرار الثلاثة ؟ .
أولا : الإثارة وذهبك المخفي .
الإثارة هي القدرة على زلزلة المألوف، على خرق التوقعات بذكاء لا يجرح، وجرأة لا تفضح، غير أن الإثارة ليست صراخا ولا عرضا استعراضيّا، بل هي "ومضة" من ذهب دفين ، ذهب شخصي، لا يظهره صاحبه إلا عبر تلميحات، عبر صمت يشي بالكثير.
هذا "الذهب" هو رصيدك الداخلي، معرفتك العميقة، تجاربك، آلامك، قوتك، نظرتك الوجودية. ولكن لا قيمة لذهب مكشوف، ملقى في السوق، فالكاريزما تتطلب أن تُدير هذا الذهب بإبداع، أن تلمح ولا تفصح، أن تظهر طرف الخاتم لا الخزينة.
إنّ الشخص الذي يثير الآخرين هو من يحمل في عينيه تاريخا لا يرويه، وفي صوته سرّا لا يقال، وفي حضوره ثقلا لا يشرح. إنّ إثارة الكاريزما، تمرّ عبر إخفاء ذهبك، لا بعرضه.
ثانيا : التشويق وذهابك المقصود .
التشويق، بخلاف الإثارة، لا يقوم على المفاجأة، بل على الانتظار، إنه فنّ الغياب، لا الحضور.
فالكاريزمي لا يكون دائما متوفّرا، ولا حاضرا في كل التفاصيل. بل هو من يتقن "الذهاب"، الذهاب في التوقيت المثالي، حيث يترك الآخر على حافة السؤال.
وهذا "الذهاب" ليس انسحابا، بل تقنية نفسية راقية، أن تترك فجوة صغيرة من الغموض، أن تجيد الانسحاب دون أن تقول وداعا، أن تترك عبارة ناقصة، نظرة مبتورة، وعدا غير متوقّع.
إنّ التشويق كضلع من أضلاع الكاريزما يتغذى من هذا الذهاب الواعي، الذكي، فحين يعرف الآخر أنك لا تتاح بسهولة، يبدأ في التفكير بك، في ملء تلك الفراغات التي تركتها عمدا، وذاك هو الذكاء الكاريزمي الحقيقي، أن تجعل الغياب حضورا، والذهاب فعل جذب.
ثالثا : المتعة ومذهبك الصامت .
أما المتعة، فهي لبّ الكاريزما وروحها، هي تلك اللذّة الخفيّة التي يشعر بها من يلقاك، دون أن يعرف لماذا. هي الراحة والدهشة والانجذاب في آن معا، ولكن المتعة لا تصنع بالأداء، بل بالمبدأ، أي بالمذهب.
إنّ كل شخص كاريزمي يحمل "مذهبًا" خاصا، وإن لم يعلنه. منظور للعالم، رؤيا للذات والآخر، توازن داخلي، فلسفة في الحبّ، الجمال، الوجود.
هذا المذهب هو ما يضفي على الشخص نكهة لا تقلّد، حضورا لا يستنسخ. فالمتعة تولد من الأصالة، من الاتساق بين ما تفكر به، وما تقوله، وما تصمت عنه .
ومثلما لا يكشف الذهب، ولا يشرح الذهاب، فإنّ المذهب أيضا لا يفصح عنه، بل يفهم بالتلميح، بالتصرف، بالخيارات الصامتة.
كل كاريزما حقيقية تحوي في عمقها مذهبا وجوديّا، لكنه يرمز له بالأفعال لا بالأقوال، ويكتشف بالتراكم، لا بالشرح.
إنّ الأضلاع الثلاثة للكاريزما ، الإثارة، التشويق، المتعة ، ليست أدوات تعلّم في دورات تنمية الذات، بل هي طقوس داخلية، لا تثمر إلا إذا غذّيت من ثلاثية أخرى أكثر خفاء، ذهبك، ذهابك، ومذهبك.
فالكاريزما ليست أن تشع، بل أن تومض، لا أن تكون متاحا، بل أن تكون حاضرا وغائبا معا. لا أن تملأ الفراغ، بل أن تنشئ فراغا لا يملأ إلا بك.
في زمن تفتح فيه النوافذ على مصراعيها، وتعرض الأسرار كأنها إنجازات، يبقى الكاريزمي ،هو من يجيد الزراعة في الظلال، من يجعل من ذاته حديقة لا يدخلها إلا من يفهم الشفرة،لأنّ الكاريزما سرّها في السرّ .
تعليقات
إرسال تعليق