الأب الروحيبقلم :ماهر اللطيف(تونس 🇹🇳)

الأب الروحي
بقلم :ماهر اللطيف
(تونس 🇹🇳)

رافقتها إلى محطة القطار ليلا وكان المسافرون كثر كيوم الحشر يتدافعون يمنة ويسرة من أجل الوصول إلى شباك التذاكر قصد اقتناء ما يرغبون فيه من "بطاقات العبور" ...
ففعلت مثلهم ووقفت في آخر الصف في انتظار تقدمه رويدا رويدا إلى أن أتسمّر أمام المضيفة واطلب منها شأني. وكنت ألتفت من حين لآخر لاتفقد عائشة التي تركتها في قاعة الانتظار خلفي مصحوبة بحقيبة سفرها الكبرى وحقيبتها اليدوية وأخرى محمولة صغرى  ملئت ببعض المياه والماكولات الخفيفة والمكسرات، وكانت ابنتي جالسة تمتع نظرها بما ترى وتسمع وهي تسترق النظر الي كلما نشب خصام او تعالت الأصوات من هنا وهناك وكأنها تستنجد بي وتطلب حمايتي رغم أن لا ناقة ولا جمل  فيما يحصل.
وفي الاثناء ،جال بخاطري فجأة - كعدة مرات - كيفية تعرفي على عائشة ذات يوم منذ ما يزيد عن عشرة سنوات وكان عمرها ست سنوات ونيف، إذ وجدتها تائهة في وسط المدينة، تبكي وتصيح وتطلب العون من المارة الذين رفضوا حتى النظر إليها لاتساخ لباسها وجسدها وانبعاث روائح كريهة من بدنها، وكنت سائرا وحفيظة زوجتي من هناك حين أسرعت نحونا مستجدية وملحة في طلبها:
- ارجوك سيدي مًنّ عليّ ببعض المال لاقتني ما أسد به رمقي وأشبع معدتي التي لم أعد اتحكم فيها من شدة الجوع
- (انا مقاطعها  وحفيظة تمسكني من يدي مانعة اياي من التوقف والتواصل مع هذه "المتشردة" ) أين أهلك، ولماذا تبدين هكذا في هذا المظهر المقرف؟
- (باكية بحرقة وقد لاحظت تقهقري وزوجتي خطوات من شدة الروائح المنبعثة منها وتعتمد غلقنا لأنوفنا بأصابع يدينا) أنا يتيمة الأبوين وليس لي إخوة أو عائلة (تصمت لتجفف انفها بقماش ردائها البالي وزوجتي تهمزني لنغادر المكان) ،لا مأوى لي ولا راع ولا مورد رزق سوى التسول كما ترى
- (وقد رق قلبي ونهرت زوجتي حتى تكف عن تصرفاتها مما حدا بها إلى أن تتركني وتتقدم خطوات وهي تلتفت وتسترق السمع من حين لآخر) استغفر الله العظيم واتوب اليه. منذ متى وانت على هذه الشاكلة؟
- (نائحة  بشدة وشاهقة بصوت مرتفع ) ما يزيد عن الشهرين، فقد تعرض والديّ إلى حادث مرور اودى بحياتهما على الفور، إذ فقد ابي السيطرة على قيادة سيارته ما إن انفقلت عجلة من عجلاتها الأمامية وتراقصت العربة ذات اليمين وذات الشمال واستحال التعامل مع المقود وكانت السرعة قد تجاوزت  المسموح بها، فانقلبت السيارة عدة مرات قبل أن ترتطم مقدمتها بجدار محول من محولات الطريق السريع اسمنتي سميك فكانت نهايتهما.
- (متجاهلا الروائح وحاضنها ومقبلها من رأسها وجبينها) هل كنت معهما في السيارة؟
- (مجيبة برأسها بنعم) من حسن حظي أو من سوئه، كنت جالسة في المقاعد الخلفية وسقطت في أسفل السيارة وهي تنقلب لاجرح جراحا بسيطة لا أكثر وقد تمنيت بعدها حين استفقت ان اكون انا السائق ووالداي جالسان من الخلف ككبار القوم، تمنيت موتي وعيشهما، نهايتي وبدايتهما من جديد  ...
و استفقت لحظة من استحضار الماضي حين طلب مني بعض الناس التقدم إلى شباك التذاكر، فاعتذرت منهم وأطلقت التحية على المضيفة قبل أن اقتني تذكرتين، فاخفيت أحدهما في جيب معطفي واعطيت الأخرى إلى عائشة وجلست إلى جانبها في انتظار قدوم القطار.
ومنها، عدت إلى الذكريات فواصلت الاستنجاد بذلك اليوم التاريخي، حيث علمت ان عائلة عائشة (من الأب والأم)  قد تخلت عنها وحملتها عنوة  إلى "قرية الأطفال اليتامى ومجهولي النسب"بمدينتنا لتواصل فيها حياتها بعد أن سارعوا في إتمام الإجراءات القانونية اللازمة لذلك، إلا انها هربت بعد أسبوع من الإقامة هناك بعدما عانته من سوء معاملة وتعامل من طرف الجميع واستحالة التأقلم مع الوضع الجديد بعد الدلال والاكتفاء الذي كانت تنعم به، فقست الدنيا عليها واذاقتها من الويلات ما لا يطيقه الراشد والعاقل، إضافة إلى البشر الذين يفقد بعضهم كل انسانية وقيم ونبل أخلاق مع مثل هؤلاء الأطفال الذين يتشردون دون ارادتهم فيعطيهم الزمن والبشر بظهرهما ويلقنانهم دروسا لا تنسى وينضجانهم على جميع الأصعدة ولا يزالون أطفالا.
فأخذتها إلى أقرب مطعم بكل فخر واعتزاز رغم رفض حفيظة وتناولنا ما لذ وطاب من أشهى المأكولات والمشروبات حتى شبعت وحمدت الله وانا ألحظ الابتسامة والرضى على وجه الصبية قبل أن تتجه إلى قاعة غسل اليدين وتجفيفهما، فانتهزت الفرصة لاطلب من زوجتي ضرورة اصطحاب الطفلة معنا إلى المنزل لتعينها علي شؤونه من جهة ولتؤنسها من جهة ثانية (ونحن وحيدان في المنزل إذ لم يرزقنا الله الولد الصالح منذ ما يزيد عن العقدين من الزواج) ولنربح الثواب من جهة ثالثة وهذا هو الأهم، فرفضت بشدة وكادت تغادر المكان وهي تصيح وتعربد وتهدد وتتوعد في مرحلة أولى قبل ان تقبل في النهاية بعد تواصل إلحاحي ووصولي إلى حد  التذلل والتوسل والتشبث بمطلبي.
ومنذ ذلك الوقت ،صارت عائشة النفس الذي تتنفسه حفيظة ونبض قلبها ودمها الذي يسري في شرايينها إلى درجة انها اطردتني من بيت نومي لاستقر في بيت الضيوف واترك مكاني لقرة العين عائشة التي وجدت الدلال والترحاب وحسن المعاملة والتعامل والتربية والاحاطة والتوجيه والمرافقة الحسنة وغيرها .
وبعد مدة قصيرة،توفيت حفيظة فجأة وكانت سليمة الجسد والصحة، فوجدت نفسي وحيدا مع عائشة التي باتت عالمي كله وسر وجودي. وقد زاد حبي لها وخوفي عليها يوما بعد يوم وهي تكبر وتنجح في دراستها وتزداد جمالا وبهاء، مما جعلها حلم كل من يراها ومطمع كل صياد قذر ينتهز الفرص للانقضاض على اية فريسة تائهة كبنتي الكريمة.
وفي المقابل،أحببتني حبا جما ورأت فيّ الأمل والمستقبل والأمان ومصدر الاستقرار والحياة والوجود ناهيك واني كنت لها ابا روحيا بأتم معنى الكلمة، رافقتها في كل مكان وزمان واعطيتها طاقتي وصحتي ومجهوداتي وكل ما املك دون قيد أو شرط ،بل اني كنت أشعر بالفرح حين تفرح هي، بالاستقرار والاطمئنان حين اراهما في عينيها وتصرفاتها وكلماتها، بالسعادة والرضى حين أرى البسمة تعتلي محياها، ....
وما زلت كذلك، حتى همست في اذني برقة وحنان وبصوت أكاد لا اسمعه لولا تعودي على تلك النبرة:
- اسمع صافرات القطار يانور عيني، حان وقت سفري لمسقط رأسي لزيارة قبري والدي ككل شهر وقضاء يومين في منزلنا هناك قصد تنظيفه وترتيبه إلى حين الزيارة القادمة.
- (مربتا على فخذها) ولأول مرة ستسافرين بدوني بعد أن اصررت على ذلك 
- (مبتسمة ومقاطعة بلين) أعلم أنك ستسافر معي ككل مرة، فليست المرة الأولى التي اطلب منك فيها السفر لوحدي لأجدك جالسا بجانبي في عربة القطار....
فقهقهنا طويلا ،ثم حملت حقائبها واتجهنا صوب باب القاطرة أين كان الناس يتزاحمون ويتعاركون ويتبادلون الشتائم والسب من أجل الظفر باولوية الوصول إلى الباب وولوجه قبل الآخرين لاختيار المقاعد التي يرغبون فيها وتساعدهم على التمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة طيلة السفرة.... َ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمات راقية للشاعرة أمينة المتوكيالمغرب

كلمات راقية للشاعرة بسمات محمد

كلمات راقيه للشاعرة بسمات محمد