غارقات بالدموع الكاتب القصصي عبده داود
طبيب الروح
اوقفت أليس سيارتها مشدوهة، تحدق إلى شاب يشبه سامح زميلها في كلية الطب في جامعة السوربون في باريس...
ذاك الشبيه كان يعزف على الكمان، ويضع بجانبه قبعته مقلوبة حتى يضع له فيهالهبعض المارة بعض المال...
تساءلت مستغربة: أليس هذا هو سامح زميلها في الكلية؟ أم هذا آخر يشببه إلى هذا الحد؟ هل يعقل أن يكون هذا هو زميلي الطالب في الكلية؟ انقطع عن الجامعة منذ أسابيع دون أن يعرف أحد سبب غيابه، ولا أحد يعرف عنه شيئاً...
سامح الناجح والمتفوق في دراسته، هل يعقل أن ينقطع عن الدراسة ليصبح متسولاً على ضفاف السين؟؟؟
تأملت أليس في الشاب ملياً، هذا هو سامح دون شك. هذه الثياب التي يرتديها أعرفها هي ثيابه، والقبعة التي يضعها على الأرض مقلوبة هي قبعته...
أليس تعرف سامح طالباً متفوقاً، لكنها لا تعرفه متسولاً في الشوارع...
نصصت حتى أنهى معزوفته فملأتها الدهشة، فتحت باب سيارتها وركضت نحوه، وقبلت يداه على هذا العزف المميز وقالت:
ماذا تفعل هنا يا صديقيمتسولا؟ كيف أنت من الطلبة المتفوقين الذينالناجحينينتظرهم مستقبلا كبيراً، تترك كل هذا لتصبح متسولاً في شوارع العاصمة؟
هو انهارت دموعه، وأخذ ينتحب، وتحول نحيبه إلى بكاء مسموع...
هي أيضاً أخذت بالبكاء واغرورقت وسالت عيناها، وسالت
دموعها على خديها، طلبت منه الصعود إلى سيارتها الفخمة لكنه رفض، وكان لا بد أن يسمع صوت رجاء قلبها فاستجاب لها.
منزل أليس ليس بمنزل، بل هو أحد قصور باريس الفخمة...
عرّفت سامح على أهلها قائلة: هذا الشاب هو زميلي في الجامعة دعوته لتناول طعام الغذاء معنا...
بعد وجبة الطعام، كانوا جميعا يحتسون القهوة...طلبت أليس من صديقها أن يسمعهم بعضاً من معزوفاته... وأصرت أن يفعل، مررّ هو العصا ذات شعر الخيل السحرية فوق الأوتار، فصهلت الكمان، وصدحت، فأطربت، وأدهشت...
كانت العائلة مذهولة تماما من ذاك العزف المنفرد، وعندما أنهى مقطوعته ركضت أم أليس وقبلته بحرارة على خديه، وقالت له أنت فنان عبقري...أهنئ الأم التي أرضعتك الحليب وسقتك الموسيقى معه...
قال سامح: عندما أمي، اكتشفت حبي للموسيقى منذ الصغر، صارت حريصة على تعليمي العزف بعدما عرفت بأن الموسيقى تستهويني، قالوا لها في معهد الموسيقى: بأن ابنك له مستقبل في العزف على الكمان... لذلك كانت أمي حريصة على متابعة دورات تدريبي وتشجيعي والاهتمام بهوايتي التي اعتبرتها جزءاً لا يتجزأ من دراستي...
قاطعـت أليس الكلام بعصبية سائلة: قالت أليس، وأهلي هم أعضاء في النادي الموسيقي في باريس...
لكن لماذا تركت الجامعة يا صديقي وأصبحت متسولا في الشوارع، كيف تتجرأ وتفعل هذا؟...
استغرب الجميع السؤال وحدقوا إلى سامح مستغربين منتظرين أن يجيب على سؤال غريب...
وتحت الحاح أم أليس ورجاؤها قال سامح:
كان أبي يرسل لي مالا يكفيني ويزيد، لكن بعد الحرب الاستعمارية التي تحدث في سورية، منذ عام 2011 ، سرق اللصوص أعوان المستعمرين الكثير من معاملنا ومنها معملنا للنسيج في حلب، وفي وضح النهار، وحملوه فوق سيارات ضخمة وأخذوه إلى تركيا...، من التي لا تقدر سورية على مقاومتها...
فأضحينا وما فتئنا عاجزين عن تأمين لقمة عيشنا، كان عندنا بعض المدخرات تلاشت وانتهت...
عندنا بعض العقارات يعرضها أهلي للبيع حتى بالأسعار الدنيا، لكن لا يجدوا شاري لها. انقطت امداداتهم عني، وطلبوا مني العودة إلى سورية...
عرفت بأن بعض الدول تستضيف لاجئين سوريين، أنا أفكر باللجوء إلى المانيا ربما أستطيع متابعة دراستي هناك...
كان الجميع صامتين متأثرين، كانت عينا أليس غارقتان بالدموع، ونظراتها تعلنان الحب الذي كانت تخبأه بين ضلوعها...
أدرك الأب مشاعر ابنته فقال لها: غداً سددي قسط سامح حتى يعود إلى الجامعة، وسوف أجد له عملا هنا في باريس في مجال الموسيقى.
عاد سامح للجامعة، وعمل استاذاً في مدرسة موسيقى براتب عال، حتى صار يرسل منه إلى أهله ما يسد رمقهم...
سامح منذ جاء إلى الجامعة في باريس، ختماقفلقلبه بالشمع الأحمر، وقرر ألا يفتحه إلى بعد تخرجه، لكن أحيانا تجري الرياح بما لا تشته السفن...كانت تيارات الحب في قلب أليس، هادرة،صاخبة لم تستطع جدران قلب سامح أن تصمد أمامها،أمام هذا الموج الهادر،انهارت مقاومة الشاب وسقط في لجج الحب... عاش الحبيبان سعادة العمر وتزوجا...
تخرج سامح دكتورا اختص في أمراض القلب، وأليس اختصت في أمراض العيون،
سامح عرفته دور أوبرا باريس الضخمة نجم شرف، في الحفلات الاستثنائية. ولقبوه طبيب الروح...
منحته فرنسا الجنسية الفرنسية، فسحب أهله إلى فرنسا، وأصر أهل أليس أن يسكن الجميع في قصرهم الفخم...
أولاد سامح وأليس في مدارس رائدة في باريس وهم فرحة أجدادهم وسر سعادة الجميع، لكن أهل سامح يخفون دموعا حزينة، ينتظرون أن تعود المياه إلى مجاريها وتنصفهم حتى يعودوا إلى بلادهم ويعودوا إلى حلب، وأبو سامح يقول:
سعادتي في وطني وداري مهما كنت سعيدا في الغربة...
الكاتبالقاص المؤلف: عبده داود
تعليقات
إرسال تعليق