جراح نازفة د. عبده داود

جراح نازفة
5.3.20023
كرستينا كانت مشدوهة بغزارة الثلج الهاطل كالقطن المندوف. كانت تراقب الدنيا عبر نافذة بيتها، وهي ترتدي ثوبها الأبيض، حتى الأشجار دائمة الخضرة لبست ثوباً ثلجياً ناصعاً، أسطحة المنازل القرميدية، غفت تحت طبقة سميكة من الثلج، وتدلت منها نوازل الجليد العنقودية حتى الشارع...
كانت تتمنى أن ترى إي إنسان ماراً في الطريق حتى تشعر بأنها ليست الوحيدة في هذا العالم الثلجي المتجمد... 
بدرو زوجها  يعمل في أحد الفنادق، لم يكن يسمح لزوجته أن تعمل، علماً بأنها مهندسة ديكور، وعملها مطلوب، كان يقول لها أريدك دائما في المنزل، لأن أوقات عملي في الفندق تتغير باستمرار، مرة في الليل، ومرة في النهار، وأحياناً في الليل والنهار...
لذلك، لا بأس عليك تمكثين في المنزل، لم يكن يدري هو بأنه خنق زوجته بين أربعة جدران وحرمها وجودها... كانت تتذكر باستمرار: 
عندما جاء بدرو يطلب يدها من أهلها بعد سنوات حب ملأت حياتهما. مدعيا بأنه ذو منصب مسؤول في الفندق...
أبوها رفض طلب بدرو، بعدما تحرى عنه فتبين له بأن عمله وضيع جداً لا يستحق، بينما ابنتهم جامعية مهندسة ديكور أمامها مستقبل ناجح بدليل تخرجها الباهر. 
عارضت كريستينا أهلها بشدة، وتحت موقفهم المتشدد، هربت مع بدرو، وساكنته بدون زواج رسمي، لأنه أقنعها بأنهما لا يحتاجان إلى عقود من أي نوع كانت، وقال بأن الحب الذي يربطهما أقوى من أي وثيقة كنسية، أو قانونية يكتبانها...حبهما هو وثيقة غير قابلة للطعن، والمسكينة وثقت بكلام حبيبها. 
في البداية كانا سعداء مع بعضهما البعض. بعدها صارت الأيام تمر برتابة ثقيلة باردة، خاصة في المدة الأخيرة صار غياب الزوج عن المنزل لا يحتمل، وحجج غيابه أصبحت واهية غير مقنعة...
مر الأسبوع الأخير ولم يخابر زوجته ولو مرة واحدة بالهاتف 
لذلك قررت الذهاب إلى مكان عمله لتعرف سبب غيابه...ولماذا يردون عليها قائلين: بأنه غير موجود؟ 
قالوا لها: بأن بدرو، تزوج من نزيلة كانت في الفندق. وهو في أيام العسل، أصيبت بصدمة اسقطتها الأرض.
كريستينا توقعت جميع الاحتمالات إلا هذا الاحتمال، وخاصة بعد مسيرة الحب الطويلة بينهما. وبأنها عادت أهلها من أجل هذا الحب الذي تصورته مقدساً.
أقسمت بألا تعود إلى المنزل، لقد أحست بالخنجر القاتل يخترق قلبها... 
هامت بالشوارع بلا هدى، شاهدت كنيسة مفتوحة دخلت وجثت أمام تمثال مريم تخاطبها وتقول: يا عذراء ساعديني، وانهمرت الدموع من عينيها سخية.
راهبة في الكنيسة لاحظت كريستينا الباكية، وتألمت لها، فسألتها بإلحاح إن كان بمقدورها المساعدة...حكت كريستينا قصتها وكانت دموعها تتساقط من عينيها...
طلبت الراهبة من رئيسة الدير استقبال كريستينا، لأن الراهبات كن يبحثن عن مهندسة ديكور لتعيد تنظيم ديكورات ديرهن، وبناء روضة الأطفال....
سكنت كريستينا في دير الراهبات معززة مكرمة، وبدأت الجراح تندمل في قلبها، والحياة تسري في حياتها الروحية، وخاصة بعدما تدخلت الراهبات وأصلحن ذات البين بين كرستينا وأهلها... 
انهمكت في أعمال الديكور في روضة الأطفال فصارت مفرحة للتلامذة، مما لفت نظر الأهالي، لذلك طلبوا من الريسة أن تسمح إلى كرستينا بتنفيذ ديكورات في منازلهم وخاصة في غرف أطفالهم
يوما بعد يوم اشتهرت أعمالها وأصبح دخلها المالي كبيراً، لكنها كانت تتبرع بأغلب أموالها إلى صندوق الدير لأنها اعتبرت هذه الأموال مستحقة إلى الراهبات اللواتي فتحن لها صدورهن...
تقاعد طبيب مدرسة الراهبات فتعاقدت رئيسة الدير مع طبيب شاب ابن عائلة مرموقة ثرية، سرعان ما أعجب بمهندسة الديكور، وسحره فنها، وهي أعجبت في الطبيب الشاب بإنسانيته ورقة معاملته، تحابا وتواعدا على الزواج...
اقامت الراهبات حفلة زواج كنسي لم تعرف المدينة بجماله، حضر الإكليل أسقف المقاطعة، وفرقة الكورال الأولى، والراهبات وشخصيات كبيرة من المدينة. والأهم هو سرور أهلها بزواج متكافئ لائق. 
ذهب العروسان إلى فندق مشهور في جمال موقعه بين الجبل الأخضر والبحر، مكان ساحر بهدوئه...  
في قلب  غابة من الأشجار الصنوبرية... 
كانت فرحة العروسين لا توصف، لكن كريستين اصابتها  صدمة عندما شاهدت بدرو هو الذي فتح لهم باب السيارة، وهو الذي قام  بحمل الحقائب. أطرق رأسه في الأرض ولم يتجاسر حتى النظر إلى من كانت زوجته يوماً...
بكت كريستينا. حزناً واشفاقاً على من أحبته يوماً، وقالت لزوجها هذا الخادم كان زوجي  وحبيبي وخان الود، 
قال الزوج: قلبك هو قلب ملاك. سامحيه فهو لا يستحق، الله يعرف ظروف كل منا وهو الديان للعالم... 
قالت الزوجة: أرجوك لا أستطيع البقاء في هذا الفندق. 
 دخل الزوج غرفة المحاسبة لينهي حجزهما، سمع مدير الفندق يكلم نزيلة معتذرا منها بشدة بأنهم طردوا بدرو لأنه كان يتحرش بها،  وبنزيلات الفندق... 
كاتب القصة: عبده داود

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمات راقية للشاعرة أمينة المتوكيالمغرب

كلمات راقية للشاعرة بسمات محمد

كلمات راقيه للشاعرة بسمات محمد