كن انت انت الكاتب عبده داود

كن، أنت، أنت
قصة قصيرة
15.8.2020
رغب طائر الحجل، أن يقلد مشية أحد الطيور، يمشي مثله بتفاخر وبزهو... حاول وحاول... لكنه فشل، لذلك ملأ قلبه الحزن... فقال اتعلم أن أمشي مثل الحمامة، هي وديعة ناعمة، تمشي بأناقة، والجميع يحبونها، وأخذ كل يوم يتمرن، ويتمرن، محاولاً تقليدها، لكنه فشل ايضاً في ذلك...
فقال أعود الى مشيتي الاصلية التي خلقني بها ربي وأرضى بنصيبي وقدري...المشكلة هو نسي مشيته الأصلية وصار يحجل، ولا يزال يحجل حتى اليوم...
وهذا ما حدث مع السيدة فتنة بطلة قصتنا اليوم...
السيدة فتنة تجاوزت السبعين في العمر، كانت تصلي بحرارة وتذرف الدموع السخية، وتسأل الله، أن يعيد لها شبابها...وتقول أنا أؤمن بقدرتك  يا الله، أنت قادر أن تحي العظام وهي رميم...
صباح ذلك اليوم، نهضت من السرير، أحست برشاقة لم تشعر بها من أمد بعيد، نشيطة، قوية، يداها نضرتان، ناعمتان بدون تجاعيد هرعت الى المرآة شهقت، مذهولة، وابتسمت، وقهقهت بجنون الفرح... ونظرت الى السماء مغتبطة شاكرة... وقالت يا الله ما أعظم أعمالك... فعلاً هذه أنا عندما كنت في العشرين من عمري... كم رجعت جميلة، ساحرة، فاتنة، تماماُ،  كما كنت في العشرين من عمري...
حينها جميع الشباب يتمنون رضائي... كنت أجمل صبايا الجامعة... حينها لم يعجبني من الشباب غير المرحوم حسان الذي انتحر من أجلي... هو مات، وأنا أقسمت ألا اتزوج من بعده...
فتحت فتنة خزانة ملابسها، قالت يا ألهي جميع هذه الثياب لم تعد تناسبني... أنا الآن في العشرين من عمري... كيف أرتدي هذه الثياب التي تناسب نساء السبعين،  لا تناسب صبايا العشرين بالعمر...
هرعت الى متجر الألبسة المجاور، واشترت، واشترت ما يناسب  عمرها العشرين، جميع اصحاب المتجر كانوا يعرفون مدام فتنة ويعاملونها باحترام ومودة، لكن هذه المرة استقبلوا صبية جميلة بشكل عادي، سألتهم ألم تعرفونني؟ قالوا بصراحة لا...ضحكت وقالت أنا فتنة، أنا مدام فتنة... أنتم اصدقائي
ضحكوا ونظروا الى بعضهم البعض مستغربين هذا المزاح.
آنسة فتنة لم تستغرب الذي يحدث... هم يعرفونها في السبعين   اليوم هي في العشرين، وهذا مستحيل...
جميع جيرانها، جميع اصدقائها، جميع الذين كانوا زملائها في العمل، في المقاهي، في الأماكن التي تتردد عليها، لم يتعرف عليها أحد...
كيف يتعرفون عليها...هم يعرفون مدام فتنة، بينما لا أحد يعرف هذه الشابة الغريبة.
فتنة عندها صديقة حميمة منذ أيام الدراسة في الجامعة...
ذهبت اليها، قرعت الباب، فتحت صديقتها ورأت الطارقة صبية غريبة، ابتسمت وسألت الطارقة نعم، بماذا أخدمك؟ قالت الصبية العشرينية، أنا صديقتك، أنا فتنة، الم تعرفينني؟
ضحكت الصديقة وقالت وما معنى هذه المزحة السمجة؟
قالت فتنة: اكيد لم تعرفيني...
أرادت الصديقة أن تغلق الباب معتذرة، لأنها انزعجت من تلك الصبية التي تمازحها بهذا الشكل السخيف...
قالت فتنة، ما بالك، نحن أصدقاء في الجامعة سوية، أنا من كانت حبيبة المرحوم حسان في الجامعة...أتذكرين؟
الصديقة ملأتها الدهشة والاستغراب...وعاودت النظر بتمعن في الصبية، وتساءلت قصة حسان لا أحد يعرفها، قصة مدفونة  في الزمان البعيد كيف تعرفها هذه الشابة؟
حينها دعتها الى الدخول، أرادت أن تعرف من أين حصلت هذه الشابة على اسرار طواها الماضي؟
سردت فتنة سرها العجيب لصديقتها الحميمة ذات السبعين عاماً صديقتها تتظاهر بانها مصدقة وهي غير مصدقة...
أحضرت الصديقة البوم صور الجامعة، فعلاً هذه هي فتنة ابنة العشرين عاما هي ذاتها امامي، فعلا هذه هي زميلتي...تعانقتا لكنه عناقاً فاتراً...
أحست صبيتنا الجديدة العشرينية انها من عالم آخر، من كوكب غير الأرض، وهي غير قادرة على الانسجام مع أحد. ولا أحد يريد أن ينسجم معها...
مشكلتها الكبيرة صادفتها بالدوائر الحكومية والمصارف، كيف تثبت لهم بانها هي ذاتها فتنة ذات السبعين عاماً...لذلك وضعتها دوائر الأمن تحت مجهر المراقبة ليعرفوا سر هذه الصبية...
فتنة الجديدة عجزت أن تنسجم مع الشباب والصبايا في مثل سنها الجديد. من المحال ان تتقبل تصرفاتهم، وقصصهم، ومزاحهم، واستهتارهم، وبعادهم عن الأخلاق الأصيلة
بينما هي فهمت الحياة، وصارت في السبعين من العمر ونضجت وصارت واعية فاهمة الحياة، كيف لها أن تتأقلم مع شباب حمقى...مع هذا الجيل الجديد، جيل الموبايلات السخيفة...وجيل (الديسكو)...وجيل تدخين الممنوعات...
اصدقاؤها لم  يعرفوها،  ولم يعد أحد من اصدقائها الذين في مثل عمرها الحقيقي، يرغب في صداقة هذه الصبية المجهولة، فهي ليست بمثل اعمارهم وهم لا يحبون أن تكون صديقتهم صغيرة في عمر غير أعمارهم...
طبعاً كل جيل مع جيله يطرب...
عادت السيدة فتنة تصلي وتذرف الدموع من جديد، تطلب من الله أن يعيدها الى سنها السبعين بعدما عجزت أن تعيش في سن العشرين...لكن الله لم يستجب لها هذه المرة...
انتحرت فتنة تاركة رسالة تقول: لم يعجبني ثوبي، وعندما لبست ثوب غيري، لم أعجب أحد...
بقلمي
عبده داود

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمات راقية للشاعرة أمينة المتوكيالمغرب

كلمات راقية للشاعرة بسمات محمد

كلمات راقيه للشاعرة بسمات محمد