انا والشقراء الاديب الشاعر حسن بنباجي
أنا و الشقراء 3
كنت كلما توغلت في عمق الجبل أتنفس بصعوبة ٠
صار ضغط الهواء على رئتي أشدّ ٠ صارت روائح الكبريت
و النفط و الغاز والفحم تملأ المكان و تنثر في الجو حُبيْبات
من رمل سوداء كالأدخنة ٠
كنت أرى فقاقيعا من مياه لزجة و موحلة تخرج من باطن الجبل ٠
نظرت إلى القمر فرأيته وقد زاد شحوبا وإمتقاعا ٠
تذكرت جاري في مرقد المدرسة حين مرض و أوهنته الحمى ٠
كانت حالته خطيرة جدّا ٠ لقد أخذه إسعاف الطوارئ ليلا إلى المدينة ٠
لم أفقد شارة الضوء التي تطلقها ظفيرة الشعر الشقراء ٠
كانت تومأ في الظلام كأنها عيون متوحشة أو بقايا جمر تحت الرماد ٠ إنها تسير نحو ذلك القصر المهجور عند سفح الجبل من جهة المنجم ٠
لم أعد أرى القمر ٠ كنت دائما أحدث بأن القمر أقمار ٠ قمر للعاشقين و قمر للحزانى ، قمر للشعر و قمر للهجر، قمر البوادي و قمر المباني ، قمر الشرق و قمر البحر وقمرة ليلة النصف و قمر القمر٠
ما الذي يجمع بين القمر والمرأة ؟
توأمان هما يتماثلان كققطتي ماء ٠ جزيرتان من ضياء
في مدارات الليل ٠ و لكنهما الليل و الصمت والغربة ٠
يمكن أن أذهب على سطح القمر فأقف أمام فراغ القحل والموت ٠
أما بقية الأقمار فلا أسافر إليها وإنّما تأتي إليَ فيغزوني الفضاء
ويذوّبني الغزل و تنتعش فيَ جذوة الحياة ٠
لا زلت أمشي نحو القصر المهجور ٠
حدّثني الشيخ و كنت مثلك لا أصدق أراجيفه و أظنّه يهذي وقال :
ـ عند أوّل ليلة من كل سنة جديدة يأتي إلى القصر جمع من الغرباء
ممن كانوا في المنجم ٠
فيحتفلون و يشربون ويحبون ويؤدون شعائر الأرض ٠
كما يؤدي الآخرون طقوس السماء ٠
ثم ّ يضيف :
ـ هم منحتهم الأرض ذخائرها ونحن أعطتنا السماء القمر ٠
حين ولجت ساحة القصر لم أعد أرى ظفيرة النار ٠
تاهت أو خمدت أو لعلّها ما كانت أو ربما دخلت القصر ٠
كانت هناك نافذة محطمّة ٠ نظرت من خلال شظايا الزجاج ٠
صعقت ٠
حسن بنباجي
تعليقات
إرسال تعليق